السيد محمد حسين فضل الله

9

من وحي القرآن

الأجواء الروحيّة التي تبتعد بها عن حدود المادة ، فتقنت في ما يمثله القنوت من معنى الطاعة عن خضوع ، وتركع وتسجد للّه ، في ما يمثله هذا الانحناء من الشعور بالانسحاق الذاتي أمام عظمة اللّه . . . فذلك هو الذي يحميها من كل مشاعر الضعف والقهر والاضطهاد مع الآخرين ، وهو الذي يساعدها على الانتظار في ظل الغموض الشاحب . وتتوقف الآيات هنا ، لتلتفت إلى الرسول محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فتوحي إليه بأن ما قصّه اللّه عليه من قصّة مريم هو من أنباء الغيب التي أوحى بها اللّه ، فهو لم يعشها ولم يعرفها عن حسّ ومشاهدة ، ولم يقرأها ، لأنّه لم يمارس القراءة والكتابة . . . وربما لم تكن بعض تفاصيلها معروفة حتى عند أهل الكتاب ، لأنها غير مذكورة بدقائقها في الإنجيل . وقد يكون في قوله تعالى : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إشارة إلى أن المراد بالغيب عدم الحضور ، في ذلك الوقت الذي وقف فيه القوم ليلقوا أقلامهم وهي القداح والسهام التي يقترعون بها عندما اختصموا في كفالة مريم لمن تكون . ولعل في التأكيد على ذلك ما يوحي بقيمة هذه الحادثة لعلاقتها بالنمو الروحي لمريم عليها السّلام . وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ الذين أراد اللّه لهم أن يبلغوا إلى مريم رسالة روحية تفتح قلبها وتقوي روحيتها ، وتبلغ بها قمة السعادة المنفتحة على حب اللّه ، يا مَرْيَمُ أيتها الروح الملائكة في صورة إنسان ، التي تحررت من ضغط الشهوة فتمردت على كل عناصر الإغراء والإغواء ، فكانت السيدة على نفسها قبل أن تكون السيدة على الآخرين ، أيتها الإنسانة الطاهرة التي عاشت في شخصيتها طهارة العقل والروح والجسد ، أيّتها العابدة التي عاشت العبادة في حياتها انطلاقة عبودية للّه في عمق إحساسها بمعنى الربوبية ، وخفقة روح بحب اللّه ، ونبضة قلب يحمده ويشكره ، وهزة شعور ينفتح عليه . . . أيتها الضعيفة في جسدها ، القوية في روحها ، الكبيرة بإيمانها ، أيها الطهر الذي لا يقترب إليه دنس ، والنقاء الذي لا يصيبه كدر ، والصفاء الذي لا يطوف به العكر . . . إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ لتكوني محل كرامته ومظهر قدرته ومعجزة إرادته ، وَطَهَّرَكِ